فخر الدين الرازي
629
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والنابل ، والنسبة نسبتان نسبة بالحروف ونسبة بالصيغة والثاني : أنه جعل الرضا للعيشة مجازا مع أنه صاحب العيشة . المسألة الثانية : ذكروا في حد الثواب أنه لا بد وأن يكون منفعة ، ولا بد وأن تكون خالصة عن الشوائب ، ولا بد وأن تكون دائمة ولا بد وأن تكون مقرونة بالتعظيم ، فالمعنى إنما يكون مرضيا به من جميع الجهات لو كان مشتملا على هذه الصفات فقوله : عِيشَةٍ راضِيَةٍ كلمة حاوية لمجموع هذه الشرائط التي ذكرناها . [ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 22 ] فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ( 22 ) ثم قال : فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ وهو أن من صار في عيشة راضية أي يعيش عيشا مرضيا في جنة عالية ، والعلو إن أريد به العلو في المكان فهو حاصل ، لأن الجنة فوق السماوات ، فإن قيل : أليس أن منازل البعض فوق منازل الآخرين ، فهؤلاء السافلون لا يكونون في الجنة العالية ، قلنا : إن كون بعضها دون بعض لا يقدح في كونها عالية وفوق السماوات ، وإن أريد العلو في الدرجة والشرف فالأمر كذلك ، وإن أريد به كون تلك الأبنية عالية مشرفة فالأمر أيضا كذلك . ثم قال : [ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 23 ] قُطُوفُها دانِيَةٌ ( 23 ) أي ثمارها قريبة التناول يأخذها الرجل كما يريد إن أحب أن يأخذها بيده انقادت له ، قائما كان أو جالسا أو مضطجعا وإن أحب أن تدنو إلي فيه دنت ، والقطوف جمع قطف وهو المقطوف . ثم قال تعالى : [ سورة الحاقة ( 69 ) : آية 24 ] كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ ( 24 ) والمعنى يقال لهم ذلك وفيه مسائل : المسألة الأولى : منهم من قال قوله : كُلُوا ليس بأمر إيجاب ولا ندب ، لأن الآخرة ليست دار تكليف ، ومنهم من قال : لا يبعد أن يكون ندبا ، إذا كان الغرض منه تعظيم ذلك الإنسان وإدخال السرور في قلبه . المسألة الثانية : إنما جمع الخطاب في قوله : كُلُوا بعد قوله فَهُوَ فِي عِيشَةٍ [ الحاقة : 21 ] لقوله : فَأَمَّا مَنْ / أُوتِيَ [ الحاقة : 19 ] ومن مضمن معنى الجمع . المسألة الثالثة : قوله : بِما أَسْلَفْتُمْ أي قدمتم من أعمالكم الصالحة ، ومعنى الإسلاف في اللغة تقديم ما ترجو أن يعود عليك بخير فهو كالإقراض . ومنه يقال : أسلف في كذا إذا قدم فيه ماله ، والمعنى بما عملتم من الأعمال الصالحة والأيام الخالية ، المراد منها أيام الدنيا والخالية الماضية ، ومنه قوله : وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي [ الأحقاف : 17 ] و تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ * [ البقرة : 134 ] وقال الكلبي : بِما أَسْلَفْتُمْ يعني الصوم ، وذلك أنهم لما أمروا بالأكل والشرب ، دل ذلك على أنه لمن امتنع في الدنيا عنه بالصوم ، طاعة للّه تعالى . المسألة الرابعة : قوله : بِما أَسْلَفْتُمْ يدل على أنهم إنما استحقوا ذلك الثواب بسبب عملهم ، وذلك يدل